فصل: مسألة التحذير من اتباع الهوى ومن الزيغ البعيد:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة التحفظ من سوء الظن ونصيحة الِإمام لرعيته:

في التحفظ من سوء الظن ونصيحة الِإمام لرعيته قال مالك: بلغني أن ابن عمر باع من رجلين تبناً، قال: فكان يكيل لهما، وقعد إلى جنب حائط في ظله، فذهب الظل عنهما، وأصابت ابن عمر الشمس، فقال له الرجل: إن لو انصرفت عن الشمس، فإنا لا نزيد على حقنا. فقال: أما إني لا أرى إلا وقد صدقتكما، ولكن القعود في الشمس أحب إلي من ظن السوء.
قال مالك عن قطن بن وهب عن عمه، أنه سمعه يقول: كنت مع عمر بن الخطاب حتى إذا كنا بالرَّوْحَا أو قريباً من الروحا، رأى عمر بن الخطاب راعياً فعدل إليه من الطريق برواحله، حتى دنا منه، ثم قال: يا راعي إني رأيت مكاناً هو أكلأ من هذا المكان الذي أنت فيه، فانتقل إليه وهو مكان كذا وكذا، ألا وإن كل راع مسئول عن رعيته. ثم انصرف.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذين الحديثين بيِّن، ليس فيه ما يخفى فيحتاج إلى بيانه وبالله التوفيق.

.مسألة التحذير من اتباع الهوى ومن الزيغ البعيد:

في التحذير من اتباع الهوى ومن الزيغ البعيد وقال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: أُحَذِّرُكُم مَا مَالَتْ إِلَيْهِ الأهْوَاء وَالزَّيْغَ الْبَعِيدَ.
قال محمد بن رشد: إنما حذر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ من اتباع الهوى لقوله عز وجل: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40] {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 41] والزيغ البعيد هو الِإغراق في القياس، والغلو في الدِّين، وكلاهما مذمومان، لأنك لا تكاد تجد الِإغراق في القياس إلا مخالفاً للسنة، والغلو في الدِّين منهي عنه. قال عز وجل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} [المائدة: 77] وبالله التوفيق.

.مسألة حكاية بينة في المعنى ليس فيها ما يخفى:

قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: إني لست متبوعاً ولكن متَّبِعاً، ولست بقاض ولكن منفَذ، ولست بخير من أحدكم ولكنَي مِن أثقَلِكم حملاً. قال مالك: ورفعوه إلى النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: مَنْ «أحْدَثَ في المدينَةِ أوْ أَوَى مُحْدِثاَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالُمَلاَئِكَةِ والنَّاس أجْمَعِينَ». قال مالك: يريد من عمل بمعاصي الله، أو أوى أهل المعاصي في رأي. قال مالك: بلغني أن المِسْوَر بن مخرمة، دخل على مروان، فجلس معه. قال: فسأله مروان عن شيء، أو ابتدأَهُ به المسور فقال له: بئس ما قلت، فركضه مروانُ برجله، قال: فخرج المسور، قال: ثم إن مروان نام فأتِيَ في المنام، فقيل له: ما لك وللمسور؟ {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا} [الإسراء: 84]، قال فأرسل مروان إلى المسور فقال: إني قد زجرت عنك في المنام، وأخبره بالذي رأى، فقال له المسور: ولقد نهيت عني في اليقظة والمنام، وما أراك تنهى.
قال مالك: كان في المسجد مجلس من أهل الفضل فيما مضى والفقه، فكان الرجلان يأتيان في الأمر يكون بينهما، فيدليان بحججهما، فإذا رأوا أن أحدهما أظلمُ، قالوا له: ما نراك إلا أظلم. ووعظوه. فإن انتهى، وإلا حصبوه بالحصباء كلهم، حتى يقوم من عندهم وباللَّه التوفيق.

.مسألة ما روي عن النبي عليه السلام في سعد بن معاذ:

في قول مالك فيما روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في سعد وسألت مالكاً عن الحديث الذي يذكره الناس عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في سعد بن معاذ. فأنكره وقال: إني أنهاك أن تقوله، وما يدعو أمرأ أن يتكلم بهذا ولا يدري ما فيه من التغرير. وقال مالك: حدثنيِ يحيي بنِ سعيد قال: لَقَدْ نَزَلَ لِمَوْت سعد بْنِ مُعَاذ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ مَا نزَلُوا الأرْض قَبْلَهَا.
قال محمد بن رشد: إنما نهى مالك أن يتحدث بهذا الحديث وهو ما رُوي أنّ الْعَرْشَ اهْتَزَّ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ويتكلم به، مخافة أن يَشِيعَ في الناس فيسمعها الجهال الذين لا يعرفون تأويلها فيسبق إلى ظنونهم التشبيه بها، لظنهم أنّ العرش إذا اهتز أي تحرك، تحرك الله بتحركه، كالجالس منا على كرسيه إذا تحرك الكرسي تحرك هو بتحركه. وليس عرش الرحمن بموضع استقرار له، إذ ليس في مكان، ولا مستقر بمكان، تعالى عن ذلك ذو الجلال والِإكرام. وقد اختلف في تأويل الحديث، فقيل: بأن المراد بالعرش سريره الذي حمل كلليه، فيكون المعنى فيه: إِن الله أحياه معجزة للنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأفهمه منزلته عند الله، فاهتز هيبة له، كما أحيا الجذع الذي كان يخطب إليه، إذ صنع له الكرسي فحنَّ إليه وجأر، حتى ارتجَّ له المسجد، وقيل: إن المراد به عرش الرحمن، وذلك مذكور في بعض الآثار، فقيل على هذا المعنى فيه: إنه اهتز حملته استبشاراً لقُدومه عليهم. خرج مَخْرَجَ: وَاسْأْل الْقَرْيَةَ أي أهلها. وَمَخْرَجَ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبًّنَا وَنُحِبُّه». أي يحبنا أهله ونحب أهله. وقيل المعنى فيه، اهتز حقيقة بأن أحياه الله، وأفهمه منزلته عنده، فتحرك هيبة له، ولا يلحق ذلك الله عز وجل، إذ ليس بمستقر عليه ولا يحويه مكان. وبالله التوفيق.

.مسألة ما كتب به عبد العزيز إلى ابنه عمر:

فيما كتب به عبد العزيز إلى ابنه عمر قال مالك: بلغني أن عبد العزيز كتب إلى ابنه عمر بن عبد العزيز وهو بالمدينة: إنَّه لا دين لمن لا نية له، ولا جديد لِمَن لا خِلقَ له، ولا مال لمن لا رفق له، وكأنه بلغه عنه إسرافٌ في الكسوة. فلقد رؤي بعد كتاب أبيه إليه، وإِن ثوبه لمرقوع.
قال محمد بن رشد: قوله لا دين لمن لا نية له صحيح، يشهد له قول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنيَّاتِ» ومعناه نفي الانتفاع بالعمل دون نية، لا نفي العمل، فمن أسلم ولم تكن له نية في أعماله، فهو ضعيف الدِّين، ليس له دين ممدوح، وقوله: لا جديد لمن لا يلبس الخلق، حكمة صحيحة منه، لأنه إِن لم يضن ثوبه الجديد بالخلق خلق الجديد بسرعة، فلم يكن له جديد. وقوله: لا مال لمن لا رفق له، صحيح أيضاً لأن من لا يرفق بماله، هلك سريعاً. وفي الحديث المحفوظ: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ، يُحِبًّ الرِّفْقَ وَيرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لاَ يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ، فَإذَا رَكِبْتُم هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ، فَأنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا، فَإنْ كَانَتِ الأرْضُ جَدْبَةً، فَانْجُوا عَلَيْهَا بِنقْيِهَا فإنَّ الأرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْل مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ» وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قَطَعَ، وَلَا ظَهْراً أبْقَى» وبالله التوفيق.

.مسألة أول من أحدث القتل:

أحاديث بينة في المعنى قال مالك: بلغني أن ابن آدم الذي قتل أخاه حمله على عنقه، قال: فَبَعَثَ اللهُ الغرابَ، قال: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [المائدة: 31] قال ابن القاسم بلغني أن ما من قتيل يقتل إلا ضوعف عليه العذاب، لأنه أول من أحدث القتل. قال ابن القاسم: وسمعت مالكاً قال: حدثني أبو الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أنْفِقْ عَلَيْكَ»، حدثنا مالك: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أذِنَ لِي أنْ أحَدِّثَ عَن مَلَكِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أذُنِهِ وَعاتِقِهِ لمجرَى الطَّيْرِ سَبْعِينَ عَاماً».
قال محمد بن رشد: هذه أحاديث بينة في المعنى ليس فيها ما يخفى فلا وجه لتكلف القول بما هو بيِّنٌ يُدْرَى.

.مسألة التكبير في الفطر والأضحى:

في التكبير في الفطر والأضحى قال سحنونٌ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بن نَافِعٍ عَن كُثَيِّرَ بْن عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِي، عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَكانَ من أصْحَاب رَسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «أن النبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأضْحَى وَالْفِطْرِ، فِي الرَّكْعَةِ الأولَى سَبْعاً قَبْلَ الْقِرَاءةِ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْساً قَبْلَ الْقِرَاءَةِ».
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة قبل هذا في رسم كتب عليه ذكر حق فلا وجه لِإعادته.

.مسألة أخذ زكاة الفطر من أهل البادية:

في أخذ زكاة الفطر من أهل البادية قال ابن القاسم: وحدثني عبد الله بن نافع عن كُثير بن عبد الله عن رِبح بن عبد الرحمن عَنْ أَبى سَعِيِدِ الْخُدْري «أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أخَذَ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ أهْل البَادِيَةِ».
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك وأصحابه والشافعي وأبي حنيفة. وقال الليث بن سعد ليس على أهل العمود زكاة الفطر أصحاب الخصوص والمظال، وإنما هي على أهل القرى. وهو قول ضعيف، لأنه كما يستوي الحاضرة والبادية في جميع شرائع الدين، من الصلاة والصيام، وزكاة العين والحرث والماشية، فكذلك يلزم أن يستويا في زكاة الفطر. وبالله التوفيق.

.مسألة ما جاء في أن يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ابنا خالة:

في أن يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم ابنا خالة قال: وبلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة، وكان حماهُما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى ما في بطني سجد لما في بطنك، لتفضيل عيسى، فإن الله جعله يُحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ولم يكن ليحيى عيشٌ إلا عشب الأرض، وإن كان ليبكي من خشية الله، حتى لو كان على خده القار لأذابه، ولقد كان الدمع اتخذ في وجهه مجرى.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بيِّن، ليس فيه ما يخفى فيُحتاج إلى بيانه. وبالله التوفيق.

.مسألة ما جاء في أَن الدعاء لا يرد القدَر:

في أَن الدعاء لا يرد القدَر قال: وحدَّثني مالك أن ابناً لعبد الملك بن مروان مرض، فكأنَّهم رقوا له. قال: فقالت أُمه لو أخرجته إلى القراء والناس يدعون له. قال: فخرج، ثم إنه مات، قال: فدخل عليها عبد الملك. فقالت: قد دُعي له فمات، قال عبد الملك: إن لِلَّهِ عَزَائِمَ مِنْ قَضَائِهِ لَا مَرْدُودَ لَهَا.
قال محمد بن رشد: قول عبد الملك، إن لله عزائم من قضائه لا مردود لها، كلام ليس بمحصل، لأن فيه دليلاً على أنَّ له عزائم من قضائه يردها الدعاء، والدعاء لا يرد القضاء، إذ لا يدعو الداعي، ولا يجاب لدعائه إلّاَ بأمر من الله. قد سبق به القضاء. فقد علم اللهُ في أَزله، من يدعو فيجيب دعاءه، ومن يدعو فلا يجيب دعاءه. ومن لا يدعو إذا لم يوفقه للدعاء. وعلم أن من قضى عليه أَن يدعو فيجيب دعاءه فيما دعا به وسأَله لو سبق قضاؤه ألَّا يدعو في ذلك الشيء لم يكن إذ لم يدع فيه، لأن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون، إذ قدْ قدَّره وقضى به ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان. قال عز وجلّ: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28] وهم لا يردون، إذ قد سبق في علم الله أَنهم لا يردون، فقد يود الرجل الشيء ويُحِب أَن يكون، فيدعو فيه، فيجيب الله دعاءه فيه، ويكون بما سبق من قضاء بذلك، وقد لا يجيب دعاءه ولا يكون إذا كان قد سبق من قضاء الله أَن ذلك لا يكون، وقد لا يدعو فيه فيكون أيضاً. ولا يكون بما سبق أيضاً من قضائه بأن ذلك لا يكون، أَو يكون.
فلو قال عبد الملك بن مروان: إن عزائِم الله وقضاياه لا مردود لها، لكان قوله صحيحاً، وإن لم يستجب للداعي فيما دعا فيه، أُجر في دعائه. فكتبت له به حسنات وكفرت عنه سيئات. لأنَه عبادة من العبادات.

.مسألة موقع الحسنة من قلب المؤمن:

في موقع الحسنة من قلب المؤمن قال مالك: وبلغني أن ابن مسعود قال: لأن أَعلم أَن اللهَ قد قبِل مني حسنة، أحبُّ إلي ممَّا على الأرض.
قال محمد بن رشد: هذا اعتقاد صحيح، لأن ما على الأرض جميعاً لو كان له يموت ويتركه. والجزاء من الله عزَّ وجلّ على الحسنة المقبولة سرمداً أبداً لا نهاية له، فينبغي لكل مسلم أَن يُسر بقبول الله تعالى له حسنة واحدة أكثر ممَّا يسر بمتاع الدنيا كله لو أعطيه، وأَمكن أن يملكه وينفعه، لأنه متاع قليل، يموت ويتركه. وبالله التوفيق.

.مسألة المشرك يُسلم هل يُثاب على ما عمل من خير في حال شركه:

في المشرك يُسلم هل يُثاب على ما عمل من خير في حال شركه؟ وسُئل مالك عن عمل أَهل الشرك، أَبلغك أَنهم ما عملوا من خير كتب لهم بعد أن يسلموا حسناتٍ؟ فأنكر ذلك وقال: لا أدري ما هذا؟ وإنما الأعمال بالنية فأما اليهود والنصارى يعملون الآن، فإذا أسلموا كتب لهم، فأنكر ذلك.
قال محمد بن رشد: قول مالك هذا في أن الكافر لا يثاب إذا أسلم بما عمله من الخير في حال كفره، صحيح، واحتجاجه في ذلك بقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «إنما الأعمال بالنيات». بين واضح، لاسيما بما في الحديث من قوله فيه: «وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» والكافر ما عمل في حال كفره من صلة رحم أو فعل معروف، أو عتق رقاب أو قرا ضيف فإنما يريد بذلك أن يحمد بذلك ويشكر عليه، فليس له بما فعله من ذلك إلا ما نوى به، وإذا كان المسلم لا يكون له بما عمله إذا لم يرد به وجه الله إلا ما نواه من أمر دنياه، فأحرى ألا يكون للكافر إلا ذلك، ويؤيد هذا ما روي «عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله: إن أبي كان يفعل كذا وكذا ويصل الرحم. قال: إن أباك أراد أمرا فأدركه». أي إنما كان ذلك منه لمعنى قد بلغه وناله في دنياه، فلا ثواب له عليه في أخراه وقد ينتفع بذلك ولده من بعده، فيكون له به شرف عند الناس وحرمة، ويؤيد هذا ما روي من «أن سلمان بن عامر أتى النبي عليه السلام فقال: إن أبي كان يقري الضيف، ويفعل ويفعل، وإنه مات قبل الإسلام، فقال: لن ينفعه ذلك. فلما ولى قال علي الشيخ، فلما جاء قال إن ذلك لن ينفعه، ولكن في عقبه، إنهم لن يفتقروا ولن يذلوا ولن يجزوا.» والمعنى في رده إياه والله أعلم أنه أراد أن يبين له أن قوله لن ينفعه ذلك، إنما أراد بذلك أنه لا ينفعه في الآخرة، ولم يرد أن المنفعة بذلك في الدنيا تنقطع بموته، إذ قد ينتفع بذلك عقبه من بعده، فيكون لهم به حرمة يراعون من أجلها ويتمكنون من اكتساب المال بسببها، فيبين له آخرا ما أجمله من قوله أولا، وقد قيل في تأويل رده: إنه إنما كان لوحي أتاه به الملك في الحين. والذي قلته أولى والله أعلم. وما روي «عن حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرأيت أمورا كنت أتحدث بها في الجاهلية، من صدقة وعتاقة وصلة رحم، هل لي فيها من أجر؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أسلمت على ما أسلفت من خير.» يحمل على أن ذلك الخير هو الخير الذي يناله في دنياه من المحمدة والشكر والثناء وينتفع به ولده من بعده. فيحظى عند الناس من أجله. وبالله التوفيق.

.مسألة النهبة حكمها:

في النهبة قال مالك: أخبرني شيخ قديم قال: لما كانت فتنة ابن الزبير انتهب الناس تمرا من تمر مال الله، قال: فاشترت أمي ذلك الثمر، فعملت منه خلا حتى طاب وذهبت الفتنة، فأمرتني أمي أن أذهب إلى ابن عمر فأسأله عن ذلك، فذهبت إلى ابن عمر فسألته عنه فأفتاني أن أهرقه، ولا آكله، قال مالك: أرى ابن عمر إنما كرهه لموضع النهبة.
قال محمد بن رشد: وجه فتوى ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المرأة أن تهرقه ولا تأكله، هو أن الثمر الذي عملته منه هو من مال الله، فكان الحق منه أن يقسمه الإمام بالاجتهاد، فلما لم تكن هي ممن لها الاجتهاد في ذلك، لم يأمرها بالتصدق به، ورأى لها الخلاص أن تهرقه ولا تأكله، لأن تصدقها به من غير أن يكون لها الاجتهاد في ذلك، من جنس النهبة التي وقعت فيه أولا. والله أعلم. ويحتمل أن يكون ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أفتاه بإراقته وترك أكله، عقوبة لها على ما فعلت من عملها إياه من التمر المنهوب ولم يأمرها بالصدقة، لئلا يظن ظان أنها تصدقت به على ملكها، فتكون مأجورة في فعلها، فيكون ذلك ذريعة إلى استجازة ذلك الفعل، وهذا من نحو ما قيل فيمن يفعل ما لا يجوز له من تخليل الخمر إنها لا تؤكل وتهرق، ولا يتصدق بها. وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بإكفاء القدر يوم خيبر من لحوم الحمر الأهلية، إنما كان من أجل أنها كانت نهبة. وأما ما ينثر على الصبيان عند خروج أسنانهم، وفي العرائس، فتكون فيه النهبة، فكرهه مالك بكل حال، لظهور الآثار الواردة عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في ذلك. من ذلك نهيه عن النهبة، وأنه قال: «النهبة لا تحل» وأنه قال: «من انتهب فليس منا» وفي ذلك تفصيل أما ما ينثر عليهم ليأكلوه على وجه ما يؤكل دون أن ينتهب حرام، لا يحل ولا يجوز، لأن مخرجه إنما أراد أن يتساووا في أكله على وجه ما يؤكل. فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل منه مع أصحابه على وجه الأكل فقد أخذ حراما، وأكل سحتا لا مرية فيه. ودخل تحت الوعيد. وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه، فهذا كرهه مالك، وأجازه غيره. وتأول أن نهي النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ عن الانتهاب، إنما معناه انتهاب ما لم يؤذن في انتهابه، بدليل ما روي عن عبد الله بن قوط قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحب الأيام إلى الله يوم النحر ثم يوم القر» فقرب إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدنات خمسا، أو ستا فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفية لم أفقهها، فقلت للذي كان إلى جنبي: ما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ؟ قال: قال: من شاء اقتطع. وما روي من «أن صاحب هدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال يا رسول الله: كيف أصنع بما عطب من الهدي فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انحرها، ثم ألق قلائدها في دمها، ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها». لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أباح في هذين الحديثين للناس الذين يحل لهم الهدي أن يأخذ منهم من شاء ما أخذ، من غير مقدار ولا قسم معلوم، وفي هذا بيان إن شاء الله.

.مسألة تحريق رحل الغال:

في تحريق رحل الغال وسئل مالك عن الحديث الذي جاء فيه من غل أحرق رحله. فأنكر ذلك وقال لا حرق في الإسلام، ولا يحرق رحل رجل في الإسلام.
قال محمد بن رشد: الحديث الذي جاء بإحراق رحل الغال حديث شاذ لم يأخذ به مالك ولا أحد من فقهاء الأمصار ولا قال بذلك من الفقهاء إلا مكحول، وقوله شاذ بعيد في النظر إذ لا يحل إهلاك مال أحد بذنب من الذنوب، وإن قتل. وإن صح الحديث، فمعناه أنه كان في أول الإسلام حين كانت العقوبات في الذنوب بالأموال. من ذلك ما روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ في مانع الزكاة أن خذوها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا. وما روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ في حريسة الجبل، أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال. وما روي عنه من أن من أخذ يصيد في حرم المدينة شيئا فلمن أخذه سلبه ثم نسخ ذلك كلها بالإجماع، على أن ذلك لا يجب، وأن العقوبات إنما تجب في الأبدان، وقد روي أنه يجب عليه مع حرق رحله، ضرب عنقه. حكى «أن مسلمة بن عبد الملك، دخل أرض الروم فغل رجل، فبعث مسلمة إلى سالم بن عبد الله فقال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يقول: من أخذتموه قد غل فاضربوا عنقه وأحرقوا متاعه» وهذا ما لم يقل به أحد من فقهاء الأمصار، ويعارضه القرآن قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ} [المائدة: 38] فإذا لم يجب على السارق في سرقة ما لا حظ له فيه، ضرب عنقه، فأحرى ألا يجب ذلك على من سرق من المغنم الذي له فيه حظ. وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: أن يكفر بعد إيمان أو يزني بعد إحصان أو يقتل نفسا بغير نفس» فاقتضى ذلك إسقاط القتل عمن سوى هؤلاء الثلاث نصا، فلا يصح أن يوجب القتل على الغال بهذا الحديث، وإن صح إلا أن يعلم أنه كان بعده، فيكون ناسخا له، لأنه إذا احتمل أن يكون قبله وأن يكون بعده، لم يصح أن يحمل على أنه كان بعده، لأن الدماء محظورة فلا تباح إلا بيقين.

.مسألة ركوع الإمام وغيره في المسجد بعد الجمعة:

في ركوع الإمام وغيره في المسجد بعد الجمعة قال مالك: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى الجمعة انصرف من المسجد ولم يركع بعدها في مقامه شيئا. قال مالك: والإمام يفعل ذلك، فأما الناس، فمن شاء ركع، ومن شاء لم يركع، قال ابن القاسم: وأحب إلى غير الإمام أن يرجع إلى بيته فيصلي ركعتين.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها في رسم حلف قبل هذا مستوفى فلا معنى لإعادته.

.مسألة المثل الذي ضربه رسول الله لأمته مع من قبلها من الأمم:

في المثل الذي ضربه رسول الله لأمته مع من قبلها من الأمم وحدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «إنما أجلكم فيما خلا من الأمم كمثل ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط، قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى على قيراط قيراط ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين قال: فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين قيراطين. قال: فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال: فهل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإن فضلي أوتيه من أشاء».
قال محمد بن رشد: في هذا الحديث مثلان، ضربهما النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، أحدهما في مقدار مدة أمته، من سائر الأمم، وهو قوله في أول الحديث: إنما أجلكم فيما خلا من الأمم، كمثل صلاة العصر إلى مغرب الشمس، فأعلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهذا المثل، أن نسبة مدة أمته، من نسبة مدة سائر الأمم كنسبة مدة ما بين العصر إلى المغرب من نسبة مدة جميع النهار، وذلك نحو الربع في المقادر. والمثل الثاني في مقدار أجور أمته، من أجور أهل التوراة، والإنجيل. وهو قوله: وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا إلى آخر الحديث. فأعلم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بهذا المثل، أن أجور أمته ضعف أجور أهل التوراة وضعف أجور أهل الإنجيل، وإن كانوا أقل عملا منهم؛ لأن مدتهم أقصر مدة منهم. وهذا في الجملة، والمعنى فيه على التفصيل، والله أعلم، أن لمن آمن بالنبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، وعمل بما شرعه إلى أن توفي، من الأجر ضعف ما لمن آمن بموسى وعمل بما شرعه، إلى أن توفي، وضعف ما لمن آمن بعيسى وعمل بما شرعه إلى أن توفي أيضا، وقد خرج البخاري هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، من غير رواية مالك معناه وإن خالفت ألفاظه ألفاظه، وخرجه من رواية يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى بما يخالف لفظه ومعناه، من الأجراء الآخرين الذين عملوا من العصر إلى المغرب، يستوجبون أجر الفريقين جميعا الذين عملوا من أول النهار إلى نصف النهار، ومن نصف النهار، إلى حين صلاة العصر، ويذهبان غما ولا شيء لهما. وهذا المثل إنما ضربه صلى الله عليه فيمن آمن بموسى من أهل التوراة، وكان على شرعه، إلى أن بعث عيسى، فلم يؤمن به، وفيمن آمن من أهل الإنجيل بعيسى، وكان على شرعه، إلى أن بعث النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ، فلم يؤمن به؛ لأن هذين يبطل أجرهما جميعا، الأول بكفره بعيسى، والثاني بكفره بمحمد عليه السلام، ويكون لمن آمن بالنبي عليه السلام ضعف ما كان يكون لمن آمن بموسى ولم يدرك عيسى ولا كفر به، وضعف ما كان يكون لمن آمن بعيسى، ولم يدرك نبينا عليه السلام، ولا كفر به. وأما من آمن بموسى وكان على شرعه إلى أن بعث عيسى فآمن به، أو كان على شرع عيسى إلى أن بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فآمن به، فله أجره مرتين، على ما جاء فيما كتب به النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ إلى هرقل، وبالله التوفيق.

.مسألة أنكر لون ولده:

في الذي أنكر لون ولده وحدثني عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: «أن رجلا من أهل المدينة أتى إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فقال: يا رسول الله، ولدت امرأتي غلاما أسود. فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقا. قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: فأراه عرقا نزعه، قال: فلعل ابنك نزعه عرق».
قال محمد بن رشد: زاد في حديث آخر: ولم يرخص له في الانتفاء منه. وهو المعنى فيه. فلا اختلاف فيمن أقر بوطء امرأته فجاءت بولد لما يلحق به، ولم يستبرئها، فأنكر لونه أنه يلزمه، ولا يكون له أن ينفيه عن نفسه؛ لأن اللعان لا يكون إلا على ستة أوجه، الثلاثة منها متفق عليها، وهي أن ينفي حملا لم يكن مقرا به ويدعي الاستبراء، أو يدعي رؤية لا مسيس بعدها في غير ظاهرة الحمل، أو ينكر الوطء جملة، فيقول: لم أطأها قط، أو منذ مدة كذا وكذا، لما لا تلحق به الأنساب. والثلاث المختلف فيها هي أن يقذف زوجته ولا يدعي رؤية، أو ينفي حملها ولا يدعي استبراء، أو يدعي رؤية ولا مسيس بعدها في حامل بينة الحمل. وفي هذا الحديث إثبات الحكم بالقياس؛ لأن القياس إنما هو تمثيل الشيء بالشيء، وإجراء حكمه عليه. وبالله التوفيق.

.مسألة الاستعانة بالمشرك على قتال العدو:

في الاستعانة بالمشرك وحدث عن مالك، عن الفضيل بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عروة بن الزبير، «عن عائشة زوج النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ أنها قالت: خرج النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة، أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين رأوه، فلما أدركه قال: يا رسول الله: جئتك لأتبعك، وأصيب معك، فقال له النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: أرجع فلن أستعين بمشرك، قالت عائشة: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال كما قال أول مرة، فقال: لا، أرجع فلن أستعين بمشرك، قالت. فرجع، ثم أدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، قال: فانطلق».
قال محمد بن رشد: وقع هذا الحديث في كتاب الجهاد من المدونة، وأخذ به مالك وأصحابه، فلم يجيزوا للإمام أن يستعين بالكفار على قتال العدو، ولا أن يأذن لهم في الغزو مع المسلمين، ولا منفردين أيضا؛ لأنه وجه من العون، ولأنهم يستبيحون فيه ما لا يجوز في الغزو على ما قاله أصبغ في نوازله؛ لقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لن أستعين بمشرك». ولما روي من «أن الأنصار قالوا يوم بدر: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا حاجة لنا فيهم». وهو نص قول ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب الجهاد. قال: لا أحب للإمام أن يأذن لهم بالغزو. ودليل على أنهم إن لم يستأذنوه لم يجب عليه أن يمنعهم.
وعلى هذا يحمل غزو صفوان بن أمية مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حنينا والطائف، خلاف قول أصبغ في نوازله إنهم يمنعون من ذلك أشد المنع. وقد ذكر أبو الفرج عن مالك أنه لا بأس على الإمام أن يستعين بالمشركين في قتال المشركين إذا احتاج إلى ذلك. وهو دليل قوله للأنصار: لا حاجة لنا فيهم. وقد روي عنه عَلَيْهِ السَّلَامُ «أنه لما بلغه جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد استعان بيهود النضير. فقال لهم: إنا وأنتم أهل كتاب، وإن لأهل الكتاب النصر على أهل الكتاب، فإما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحا» فإن غزوا بإذن الإمام أو بغير إذنه منفردين تركت لهم غنيمتهم ولم تخمس، وإن غزوا مع المسلمين في عسكرهم، لم يكن لهم في الغنيمة نصيب، إلا أن يكونوا متكافئين أو يكونوا هم الغالبين فتقسم الغنيمة بينهم وبين المسلمين قبل أن تخمس، ثم يخمس سهم المسلمين خاصة. وأهل الكتاب وغيرهم عند مالك سواء في هذا. وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم أجازوا الاستعانة بأهل الكتاب دون من سواهم من المشركين عبدة الأوثان والمجوس، وصحح الآثار على ذلك. قال: وإنما لم يستعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحلفاء الأنصار من يهود، للحلف الذي كان بينهم وبين عبد الله بن أبي المنافق؛ لأنهم خرجوا بذلك من حكم أهل الكتاب، وهو من التأويل البعيد، ولا بأس بأن يستعار السلاح من الكفار، كما فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأجاز ابن حبيب أن يقوى الإمام على من سالمه من أهل الحرب على من لم يسالمه منهم بالقوة والسلاح أن يسايروا عسكر المسلمين ما لم يكونوا في داخله وبسبيل أهله. وقد مضى في أول سماع يحيى من كتاب الجهاد، وبالله التوفيق.